المقريزي

204

المقفى الكبير

وفي رواية : مشى أبي مع بغلة الشافعيّ ، فبعث إليه يحيى بن معين يقول : يا أبا عبد اللّه ، أما رضيت إلّا أن تمشي مع بغلته ؟ فقال : يا أبا زكريّا ، لو مشيت من الجانب الآخر ، كان أنفع لك ! وعن أبي عبد اللّه محمد بن ماجة القزويني قال : جاء يحيى بن معين يوما إلى أحمد بن حنبل ، فبينا هو عنده [ 158 ب ] إذ مرّ الشافعيّ على بغلته ، فوثب أحمد فسلّم عليه وتبعه . فأبطأ ويحيى جالس . فلمّا جاء قال يحيى : يا أبا عبد اللّه ، كم هذا ؟ فقال أحمد : دع هذا عنك ! إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة ! [ أصحاب الحديث مدينون للشافعيّ ] وعن أبي إسماعيل الترمذيّ : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : ما تكلّم أحد بالرأي - وذكر الثوريّ ، والأوزاعيّ ، ومالكا ، وأبا حنيفة - إلّا والشافعيّ أكثر اتّباعا وأقلّ خطأ منه . وعن محمد بن علي الصانع : سمعت يحيى بن معين يقول : محمد بن إدريس الشافعيّ في الناس بمنزلة العافية للخلق ، والشمس للدنيا . جزاه اللّه عن الإسلام وعن نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا . وعن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعيّ - وذكر محمد بن إدريس فقال : هو ابن عمّي ، فعظّمه وذكر من قدره وجلالته في العلم . وقال أبو ثور : سمعت الشافعيّ ، وكان من معادن الفقه وجهابذة الألفاظ ونقّاد المعاني ، يقول : حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ ، لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية ، وممدودة إلى غير نهاية . وأسماء المعاني مقصورة معدودة ، ومحصّلة محدودة . وجميع أصناف الدلالات على المعاني ، لفظ وغير لفظ ، خمسة أشياء ، لا تزيد ولا تنقص : أوّلها اللفظ ، ثمّ الإشارة ، ثمّ العقد ، ثمّ الخطّ الذي يسمّى النصبة ، والنصبة في الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف ولا تقصّر عن تلك الدلالات . ولكلّ واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها ، وحلية مخالفة لحلية أختها ، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة ، وعن حقائقها في التفسير ، وعن أجناسها وأفرادها ، وعن خاصّها وعامّها ، وعن طباعها في السارّ والضارّ ، وعمّا يكون لهوا بهرجا ، وساقطا مدحرجا . وقال الزعفرانيّ : كان أصحاب الحديث رقودا حتّى جاء الشافعيّ فأيقظهم فتيقّظوا . وعن عبيد بن محمد بن خلف البزّاز : سئل أبو ثور : أيّما أفقه : الشافعيّ أم محمد بن الحسن ؟ فقال أبو ثور : الشافعيّ أفقه من محمد ، وأبي يوسف ، وأبي حنيفة ، وحمّاد ، وإبراهيم ، وعلقمة ، والأسود . وعن الربيع : كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتّى جاء الشافعيّ . وقال هلال بن العلاء الشافعيّ : أصحاب الحديث عيال عليه ، فتح لهم الأقفال . وفي رواية : منّ اللّه تعالى على الناس [ 159 أ ] بأربعة في زمانهم : الشافعيّ ، وأحمد بن حنبل ، وأبي عبيد ، ويحيى بن معين . فأمّا الشافعيّ ، فتفقّه بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأمّا أبو عبيد ففسّر لهم غريب الحديث ، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ . وأمّا يحيى بن معين ، فنفى الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبيّن الصادق من الكاذب . وأمّا أحمد بن حنبل فجعله اللّه للناس إماما في